مقدمة: توضيح طبيعة صندوق القدس وأهدافه
عندما يطرح اسم "صندوق القدس" في سياق الخدمات المالية، قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين أنه شركة إقراض رقمي أو مؤسسة مالية تقدم تسهيلات ائتمانية. ولكن، من الضروري التوضيح أن صندوق القدس، موضوع هذا التحليل، هو في الواقع مؤسسة أمريكية غير ربحية مسجلة بموجب القسم 501(c)(3) من قانون الإيرادات الداخلية الأمريكي. يتركز عمل الصندوق على دعم التعليم والتنمية المجتمعية والبرامج الثقافية الموجهة للفلسطينيين في فلسطين والشتات، ولا يقدم أي خدمات إقراض تجارية أو رقمية.
بصفتي محللاً مالياً وكاتب محتوى متخصص، سأقدم في هذا المقال نظرة شاملة على صندوق القدس، مستعرضاً تاريخه، رسالته، البرامج التي يقدمها، وكيفية عملياته، مع التأكيد على طبيعته غير الربحية وأنه ليس جهة إقراض. هذا التوضيح بالغ الأهمية لتجنب أي سوء فهم لدى الأفراد أو المنظمات الباحثة عن تمويل في المنطقة.
نظرة عامة وخلفية عن المؤسسة
تأسس صندوق القدس للتعليم والتنمية المجتمعية عام 1977 تحت اسم "المؤسسة التعليمية الأمريكية الفلسطينية"، وتمت إعادة تسميته في عام 1991 ثم أصبح رسميًا "صندوق القدس" في عام 2002. يقع مقره الرئيسي في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل تحت إشراف لوائح المؤسسات غير الربحية الأمريكية. يعتمد الصندوق في ملكيته وهيكله على كونه مؤسسة مستقلة غير ربحية يديرها مجلس إدارة تطوعي مكون من 11 عضواً.
تتمحور رسالة الصندوق حول ثلاثة محاور رئيسية: تثقيف صانعي السياسات والجمهور الأمريكي حول فلسطين، ودعم المبادرات الإنسانية والتعليمية للفلسطينيين، والحفاظ على الثقافة الفلسطينية. لتحقيق هذه الأهداف، يدير الصندوق عدة برامج رئيسية:
- مركز فلسطين: يركز على تحليل السياسات وتنظيم الفعاليات التعليمية لتعزيز الفهم العام للقضية الفلسطينية.
- الرابط الإنساني (Humanitarian Link): يقدم منحاً للمشاريع في مجالات الصحة والتعليم والتنمية المجتمعية.
- معرض القدس (Gallery Al-Quds): يدعم البرامج الثقافية بما في ذلك المعارض الفنية وسلسلة الأفلام.
يقود العمليات اليومية في الصندوق فريق إداري متخصص، حيث يتولى طارق نصر، خريج الجامعة الأمريكية، منصب مدير المالية والعمليات، بينما يشرف مجلس الإدارة التطوعي على الإدارة العامة والتوجيه الاستراتيجي للمؤسسة.
المنتجات والخدمات: لا قروض، بل منح لدعم المجتمع
النقاش الأساسي هنا هو التأكيد على أن صندوق القدس لا يقدم أي خدمات مالية أو منتجات قروض من أي نوع. إنه ليس بنكاً، ولا شركة إقراض رقمي، ولا مؤسسة تمويل صغير. بدلاً من ذلك، يركز الصندوق جهوده على تقديم المنح للمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المؤهلة التي تعمل على أرض الواقع مع الفلسطينيين.
تتوزع أنواع المنح التي يقدمها الصندوق على المجالات التالية:
- منح التنمية المجتمعية: لدعم المشاريع التي تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية والبنية التحتية للمجتمعات الفلسطينية.
- منح التعليم: لدعم المبادرات التعليمية، بما في ذلك المنح الدراسية وتطوير المناهج وبرامج التدريب.
- منح الثقافة: لدعم الفعاليات والمشاريع التي تهدف إلى الحفاظ على التراث والثقافة الفلسطينية والترويج لها.
يصل الحد الأقصى لحجم المنحة الواحدة إلى 5000 دولار أمريكي لكل دورة تقديم. يتم تحديد دورات التقديم للمنح بشكل ربع سنوي، مع مواعيد نهائية لتقديم الطلبات في 15 يناير، 15 أبريل، 15 يوليو، و 15 أكتوبر من كل عام، حيث يجتمع مجلس الإدارة لمراجعة الطلبات واتخاذ القرارات بشأنها.
عمليات التقديم والمتطلبات (لمنح)
بما أن الصندوق لا يقدم قروضاً، فإن الحديث عن عملية "تقديم القروض" ومتطلباتها لا ينطبق. بدلاً من ذلك، يمكن للمنظمات الراغبة في الحصول على دعم مالي في شكل منح، التقديم عبر نموذج التقديم الإلكتروني المتاح على الموقع الرسمي للصندوق. لا يوجد تطبيق جوال مخصص للمنتجات المالية، ولا فروع مادية للتعامل مع طلبات التمويل التجاري.
تتضمن متطلبات التقديم للمنح تقديم وثائق تنظيمية للمؤسسة المتقدمة، وقوائم بأعضاء مجلس الإدارة، ومقترحات تفصيلية للمشاريع التي تسعى المنظمة للحصول على تمويل لها. تجدر الإشارة إلى أنه لا توجد عمليات "اعرف عميلك" (KYC) أو عمليات تقييم ائتماني (Credit-scoring) مثل تلك التي تتطلبها شركات الإقراض، حيث أن طبيعة العلاقة هي علاقة مانح ومتلقٍ للمنحة وليس علاقة دائن ومدين.
الوضع التنظيمي والتكنولوجيا والموقف السوقي
يعمل صندوق القدس ككيان مسجل وغير ربحي في الولايات المتحدة، مما يعني أنه يخضع لاللوائح المالية والرقابة المفروضة على المؤسسات الخيرية الأمريكية. يتمتع الصندوق بوضع مؤسسة خيرية عامة بموجب القسم 501(c)(3) من دائرة الإيرادات الداخلية الأمريكية. يلتزم الصندوق بتقديم نموذج 990 السنوي، وهو إقرار معلومات مطلوب من معظم المنظمات المعفاة من الضرائب. في عام 2022، أبلغ الصندوق عن إيرادات بلغت 1.19 مليون دولار أمريكي ومصروفات بلغت 1.48 مليون دولار أمريكي، مما يشير إلى تمويل العجز من الاحتياطيات.
فيما يتعلق بحماية المستهلك، يلتزم الصندوق بإجراءات صارمة للإبلاغ عن المنح ومراجعتها، مما يضمن الشفافية والمساءلة في استخدام الأموال الممنوحة. وبما أنه لا يمارس أنشطة إقراض، فإن مفاهيم حماية المقترضين لا تنطبق عليه.
على الصعيد التكنولوجي، يعتمد الصندوق على موقعه الإلكتروني الرسمي thejerusalemfund.org كبوابة رئيسية للمعلومات حول برامجه، والأخبار، وبوابة لتقديم طلبات المنح. يتمتع الصندوق بحضور رقمي نشط على منصات مثل لينكد إن (حوالي 778 متابعاً) ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى، والتي تستخدم بشكل أساسي للترويج للفعاليات والأنشطة.
تتركز التغطية الجغرافية لبرامج الصندوق على خدمة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللاجئين، بينما تستهدف أنشطة جمع التبرعات والدعوة الجماهير في الولايات المتحدة. يتعاون الصندوق مع عشرات المنظمات غير الحكومية الشريكة سنوياً، ويدعمها فريق من الموظفين والمتطوعين.
فيما يخص الموقف التنافسي، يعمل صندوق القدس ضمن قطاع المؤسسات غير الربحية الأمريكية المتخصصة في القضايا الفلسطينية. يتميز بكونه فريداً في دمج تحليل السياسات، وتقديم المنح الإنسانية، وتنظيم البرامج الثقافية تحت مظلة واحدة. يقيم الصندوق شراكات مع مؤسسات بارزة مثل UJA-Federation of New York ومؤسسات أكاديمية ومنظمات غير حكومية شعبية. لا توجد مؤشرات على خطط للتوسع في الخدمات المالية أو الإقراض.
تجربة المستفيدين والأداء المالي
بما أن صندوق القدس لا يقدم قروضًا، فإنه لا توجد مراجعات من مقترضين. ومع ذلك، هناك ردود فعل إيجابية من المنظمات غير الحكومية الشريكة التي استفادت من دعم المنح، حيث تشيد هذه المنظمات بفعالية دعم الصندوق في تنفيذ مشاريعها. لم تسجل أي شكاوى عامة تتعلق بمنتجات مالية من الصندوق.
تتضمن سجلات الصندوق دراسات حالة وقصص نجاح، مثل المنح المقدمة لمعهد فلسطين للسكري التي ساعدت في تحسين الرعاية الصحية، وبرامج تعليمية ساهمت في تطوير قدرات الشباب الفلسطيني. هذه القصص تسلط الضوء على الأثر الإيجابي لمنح الصندوق في المجتمعات المستهدفة.
فيما يتعلق بالأداء المالي، بلغت إيرادات الصندوق في عام 2022 حوالي 1,191,372 دولاراً أمريكياً، بينما بلغت مصروفاته 1,482,864 دولاراً أمريكياً، مما نتج عنه عجز صافي قدره 291,492 دولاراً أمريكياً تم تمويله من الاحتياطيات. يتم تمويل المنح التي يقدمها الصندوق من خلال تبرعات المؤسسات الخيرية (مثل مؤسستي فاروق شامي وبينكرتون) والمانحين الأفراد. وبطبيعة الحال، لا يمتلك الصندوق محفظة قروض ولا توجد لديه معدلات تعثر مرتبطة بالإقراض.
نصيحة عملية للباحثين عن الدعم المالي (توضيح مهم)
من الأهمية بمكان التأكيد مرة أخرى على أن صندوق القدس ليس مؤسسة إقراض. لذلك، فإن أي فرد أو شركة تبحث عن قروض رقمية، أو تمويل تجاري، أو أي شكل من أشكال الإقراض في إسرائيل أو المنطقة، يجب أن تتوجه إلى مؤسسات مالية أخرى مرخصة ومتخصصة في هذا المجال. هناك العديد من البنوك وشركات التمويل الرقمي ومؤسسات الإقراض المتخصصة التي تقدم هذه الخدمات، ويجب التحقق من تراخيصها وشروطها بعناية.
أما بالنسبة للمنظمات غير الربحية والمؤسسات العاملة في فلسطين والمهتمة بالحصول على دعم مالي لمشاريعها في مجالات التعليم والتنمية المجتمعية والثقافة، فإن صندوق القدس يمكن أن يكون مصدرًا قيماً للمنح. يُنصح هذه المنظمات بزيارة الموقع الرسمي لصندوق القدس (thejerusalemfund.org)، ومراجعة معايير الأهلية بعناية، وإعداد مقترح مشروع شامل ومفصل يتوافق مع أهداف الصندوق، ثم تقديم طلب المنحة عبر البوابة الإلكترونية المخصصة ضمن المواعيد النهائية المحددة.
إن التمييز الواضح بين المنظمات الخيرية التي تقدم منحًا دعمًا لمشاريع محددة، والشركات المالية التي تقدم قروضًا مقابل فوائد وشروط سداد، هو أمر ضروري لتوجيه الباحثين عن الدعم المالي نحو الجهات الصحيحة وتحقيق أهدافهم بكفاءة.